ياسين الخطيب العمري
201
الروضة الفيحاء في تواريخ النساء
وخمسين مدّا من طعام ، وثلاثين صاعا من تمر ، ودخل عليها زيد ومكثت عنده حينا ثم أتى زيد قال له : « ما لك ، أرابك منها شيء ؟ » قال : لا واللّه يا رسول اللّه ، وما رأيت منها إلّا خيرا ، ولكنّها تتعظّم عليّ لشرفها ، وتؤذيني بلسانها . فقال له رسول اللّه : أمسك عليك زوجك ، واتّق اللّه ، ثمّ طلّقها زيد « 1 » فنزل جبرائيل بقوله تعالى : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بالإسلام ، وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بالعتق أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي « 2 »
--> ( 1 ) قال محققا كتاب « معالم التنزيل » : ص 3 / 531 الرواية التي يذكرها الإمام البغوي وغيره من المفسرين ليس لها إسناد صحيح ، وهي تقول على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما فعل تصرف في أمر ابنة عمته زينب بنت جحش التي زوّجها - عليه الصلاة والسلام - لزيد الذي تبناه قبل النبوة ، وهي منقوضة من جوانب عدة منها : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن جاهلا ، بجمال ابنة عمته زينب ، فقد كان يعرفها حق المعرفة أيام مكة في الجاهلية حيث لم يكن هناك حجاب للنساء ، فلو كان حقا معجبا بها لخطبها أولا لنفسه ، وليس هناك ما يمنعه من ذلك ، بل كانت زينب نفسها وأخوها يظنان أنه يخطبها لنفسه ، فلما علما أنه يخطبها لزيد عارضا في ذلك ، فأنزل اللّه تعالى في حقهما قوله الكريم : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ فرضيا وسلما ، وتزوجها زيد . وحاشاه عليه الصلاة والسّلام أن يقع في نفسه الشريفة حب زوجة متبناه الذي كان يراه كولده ، وإذا كان الآباء يأنفون - من ذلك ، فكيف يصح أن ينسب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واللّه تعالى قد عصمه في خواطره وأفعاله ؟ ! ! . . وعلى هذا . . فإن هذه الرواية تتضمن تقولا على مقام النبوة بما لا يليق بعصمتها ومكانتها عقيدة وشريعة . وكان الأولى بالإمام البغوي أن يضرب صفحا عن مثل هذه الأخبار الباطلة . ولقد تعرض الحافظ ابن حجر في كتابه « فتح الباري » 1 / 523 - 524 لهذا الموضوع ، وساق الروايات التي وردت في سبب نزول هذه الآية الكريمة : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ولم يورد شيئا من مثل رواية البغوي هذه ، وإنما قال بعد أن ساق روايات متعددة : « والذي منها هو المعتمد . والحاصل : أن الذي كان يخفيه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم هو إخبار اللّه إياه أنها ستصير زوجته ، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوج امرأة ابنه ، وأراد اللّه إبطال ما كان من أمر الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ - في إبطاله منه ، وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنا ، ووقوع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعى لقبولهم ، وإنما وقع الخبط في تأويل متعلق الخشية واللّه أعلم » . ( 2 ) في الأصل ( يخفى ) .